فصل: فَصْــل: مختصر رد المؤلف على الأخنائي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ابن تيمية **


/وَقَــال شيخ الإسلام ـ قدسَ الله روحهُ ‏:‏

 فَصْــل

مختصر في التنبيه على ما في هذا المصنف من الجهل والكذب مع أنه في غاية الاختصار‏.‏ وقبل ذلك نذكر لفظ الجواب؛ ليتبين ما في معارضته من الخطأ والصواب، ولفظ الجواب بعد لفظ السؤال‏.‏ والسؤال سؤال مسترشد‏:‏ يسأل عن السفر إلى قبور الأنبياء، وما جاء في ذلك من الأقوال المختلفة، والأحاديث المتعارضة‏.‏ وقد سمع الاختلاف في ذلك، والأحاديث المتعارضة، ولم يعرف صحيحها من ضعيفها‏.‏ فقال‏:‏

ما تقول السادة العلماء‏:‏ في رجل نروي ‏[‏زيارة قبور الأنبياء والصالحين‏]‏ مثل نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره، فهل يجوز له في / سفره أن يقصر الصلاة‏؟‏ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا‏؟‏ وقد رروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من حج ولم يزرني فقد جفاني‏)‏، و‏(‏من زارني بعد موتى فكأنما زارني في حياتى‏)‏، ورروي عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد‏:‏ المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا‏)‏‏.‏

ولفظ الجواب‏:‏

الحمد لله، أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين‏:‏ فهل يجوز له قصر الصلاة‏؟‏ على قولين معروفين‏:‏

أحدهما‏:‏ وهو قول متقدمى العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية، ويقولون‏:‏ إن هذا سفر معصية؛ كأبي عبد الله ابن بطة، وأبي الوفاء ابن عقيل، وطوائف كثيرين من العلماء المتقدمين‏:‏ أنه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر؛ لأنه سفر منهى عنه‏.‏ ومذهب مالك والشافعي وأحمد‏:‏ أن السفر المنهي عنه في الشريعة لا تقصر فيه الصلاة‏.‏

والقول الثانى‏:‏ أنه تقصر الصلاة فيه‏.‏ وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم، كأبي حنيفة‏.‏ ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، كأبي حامد الغزالى، وأبي محمد المقدسى، وأبي الحسن بن عبدوس / الحرانى‏.‏ وهؤلاء يقولون‏:‏ إن هذا السفر ليس بمحرم؛ لعموم قوله‏:‏ ‏(‏فزوروا القبور‏)‏‏.‏

وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كقوله‏:‏ ‏(‏من زارني بعد مماتى فكأنما زارني في حياتى‏)‏‏.‏ رواه الدارقطنى‏.‏

وأما ما ذكره بعض الناس من قوله‏:‏ ‏(‏من حج ولم يزرني فقد جفاني‏)‏، فهذا لم يروه أحد من العلماء‏.‏ وهو مثل قوله‏:‏ ‏(‏من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة‏)‏، فإن هذا ـ أيضاً ـ باطل باتفاق العلماء، ولم يروه أحد، ولم يحتج به أحد، وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطنى ـ وقد زاد فيها المجيب حاشية بعد ذلك ـ ولكن هذا وإن كان لم يروه أحد من العلماء في ‏[‏كتب الفقه والحديث‏]‏ لا محتجا ولا معتضدا به، وإن ذكره بعض المتأخرين فقد رواه أبو أحمد بن عدى في كتاب ‏[‏الضعفاء‏]‏ ليبين ضعف روايته‏.‏ فذكره بحديث النعمان بن شبل الباهلي المصري، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من حج ولم يزرني فقد جفاني‏)‏، قال ابن عدى‏:‏ لم يروه عن مالك غير هذا‏.‏ يعني‏:‏ وقد علم أنه ليس من حديث مالك، فعلم أن الآفة من جهته‏.‏ قال يونس ابن هارون‏:‏ كان النعمان هذا متهما‏.‏ وقال أبو حاتم ابن حبان‏:‏ يأتى / عن الثقات بالطامات‏.‏ وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزى هذا الحديث في الموضوعات‏.‏ ورواه من طريق أبي حاتم ابن حبان‏:‏ حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن النعمان، حدثنا جدى، عن مالك‏.‏ ثم قال أبو الفرج‏:‏ قال أبو حاتم‏:‏ النعمان يأتى عن الثقات بالطامات‏.‏ وقال الدارقطنى‏:‏ الطعن في هذا الحديث من محمد بن محمد، لا من نعمان‏.‏

وأما الحديث الآخر‏:‏ ‏(‏من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة‏)‏، فهذا ليس في شىء من الكتب لا بإسناد موضوع، ولا غير موضوع‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن هذا لم يسمع في الإسلام حتى فتح المسلمون بيت المقدس في زمن صلاح الدين، فلهذا لم يذكر أحد من العلماء لا هذا ولا هذا، لا على سبيل الاعتضاد ولا على سبيل الاعتماد، بخلاف الحديث الذى قد تقدم، فإنه قد ذكره جماعة، ورووه، وهو معروف من حديث حفص بن سليمان الغاضرى صاحب عاصم، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من حج فزارني بعد موتى، كان كمن زارني في حياتى‏)‏‏.‏

وقد اتفق أهل العلم بالحديث على الطعن في حديث حفص هذا دون قراءته‏.‏ قال البيهقى في ‏[‏شعب الإيمان‏]‏‏:‏ رروي حفص بن أبي داود ـ وهو ضعيف ـ عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن /ابن عمر، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من حج فزارني بعد موتى كان كمن زارني في حياتى‏)‏‏.‏ قال يحيى بن معين عن حفص‏:‏ هذا ليس بثقة، وهو أصح قراءة من أبي بكر بن عياش، وأبو بكر أوثق منه‏.‏ وفي رواية عنه‏:‏ كان حفص أقرأ من أبي بكر، وكان أبو بكر صدوقا، وكان حفص كذابا‏.‏ وقال البخارى‏:‏ تركوه‏.‏ وقال مسلم بن الحجاج‏:‏ متروك‏.‏ وقال على بن المدينى‏:‏ ضعيف الحديث، تركته على عمد‏.‏ وقال النسائى‏:‏ ليس بثقة، ولا يكتب حديثه‏.‏ وقال مرة‏:‏ متروك، وقال صالح بن محمد البغدادى‏:‏ لا يكتب حديثه، وأحاديثه كلها مناكير‏.‏ وقال أبو زُرْعة‏:‏ ضعيف الحديث‏.‏ وقال أبو حاتم الرازى‏:‏ لا يكتب حديثه، وهو ضعيف الحديث، لا يصدق، متروك الحديث‏.‏ وقال عبد الرحمن بن خراش‏:‏ هو كذاب متروك، يضع الحديث‏.‏ وقال الحاكم أبو أحمد‏:‏ ذاهب الحديث‏.‏ وقال ابن عدى‏:‏ عامة أحاديثه عمن رروي عنه غير محفوظة‏.‏

وفي الباب حديث آخر رواه البزار والدارقطنى وغيرهما من حديث موسى بن هلال‏:‏ حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من زار قبرى وجبت له شفاعتى‏)‏‏.‏ قال البيهقى‏:‏ وقد رروي هذا الحديث، ثم قال‏:‏ وقد قيل عن موسى، عن عبد الله ، قال‏:‏ وسواء عبد الله أو عبيد الله /فهو منكر عن نافع عن ابن عمر، لم يأت به غيره‏.‏ وقال العقيلى في موسى بن هلال‏:‏ هذا لا يتابع على حديثه‏.‏ وقال أبو حاتم الرازى‏:‏ هو مجهول‏.‏ وقال أبو زكريا النواروي في ‏[‏شرح المهذب‏]‏ لما ذكر قول أبي إسحاق‏:‏ وتستحب زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما رروي عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من زار قبرى وجبت له شفاعتى‏)‏‏.‏ قال النواروي‏:‏ أما حديث ابن عمر فرواه أبو بكر الرازى والدارقطنى والبيهقى بإسنادين ضعيفين جدا‏.‏

قال المجيب في تمام الجواب‏:‏ وقد احتج أبو محمد المقدسى على جواز السفر لزيارة القبور والمساجد بأنه كان يزور قباء، وأنه كان يزور القبور، وأجاب عن حديث‏:‏ ‏(‏لا تشد الرحال‏)‏، بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب‏.‏

وأما الأولون، فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد‏:‏ المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا‏)‏، وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به‏.‏ فلو نذر الرجل أن يصلى بمسجد أو بمشهد أو يعتكف فيه أو يسافر إلى غير هذه الثلاثة، لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة‏.‏ ولو نذر أن يسافر أو يأتى إلى المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء‏.‏ ولو نذر أن يأتى مسجد النبي / صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف، وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي ـ في أحد قوليه ـ وأحمد، ولم يجب عليه عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع‏.‏ وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة، كما ثبت في صحيح البخارى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه‏)‏‏.‏ والسفر إلى المسجدين طاعة؛ فلهذا وجب الوفاء به‏.‏ وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة، فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره‏.‏ حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء؛ لأنه ليس من الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة؛ لأن ذلك ليس بشد رحل، كما في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة‏)‏‏.‏ وفي الحاشية‏:‏ وهذا الحديث رواه أهل السنن؛ كالنسائى وابن ماجه والترمذى وحسنه‏.‏

قال‏:‏ وقالوا‏:‏ ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين‏.‏ فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة‏.‏ وهذا مما ذكره أبو عبد الله ابن بطة في ‏[‏الإبانة الصغرى‏]‏ من البدع المخالفة للسنة‏.‏ / وبهذا يظهر ضعف حجة أبي محمد المقدسى؛ لأن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لمسجد قباء لم تكن بشد رحل، والسفر إليه لا يجب بالنذر‏.‏

وقوله في قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تشد الرحال‏)‏‏:‏ إنه محمول على نفي الاستحباب، عنه جوابان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ولا هو من الحسنات‏.‏ فإذًا من اعتقد ‏[‏في‏]‏ السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أنها طاعة كان ذلك محرما بإجماع المسلمين، فصار التحريم من هذه الجهة‏.‏ ومعلوم أن أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك‏.‏ وأما إذا قدر أن الرجل سافر إليها لغرض مباح فهذا جائز، وليس من هذا الباب‏.‏

الوجه الثانى‏:‏ أن هذا الحديث يقتضى النهى، والنهى يقتضى التحريم‏.‏ وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هى موضوعة‏.‏ لم يخرج أحد من أهل السنن المعتمدة شيئا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشىء منها، بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل‏:‏ زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، /ولو كان هذا اللفظ معروفا عندهم أو مشروعا أو مأثورا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه عالم المدينة‏.‏

والإمام أحمد ـ أعلم الناس في زمانه بالسنة ـ لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ما من رجل يسلم علىَّ إلا رد الله علىَّ روحى حتى أرد عليه السلام‏)‏‏.‏ وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه‏.‏ وكذلك مالك في ‏[‏الموطأ‏]‏ رروي عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال‏:‏ السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت‏.‏ ثم ينصرف‏.‏ وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا تتخذوا قبرى عيدا، وصلوا على حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغنى‏)‏‏.‏ وفي سنن سعيد بن منصور أن عبد الله بن الحسن بن الحسين رأى رجلا يختلف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا تتخذوا قبرى عيدا، وصلوا على حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغنى‏)‏ ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء‏.‏ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرض موته‏:‏ ‏(‏لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏ ـ يحذر ما فعلوا‏.‏ قالت عائشة‏:‏ ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا‏.‏ وهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما / اعتادوه من الدفن في الصحراء؛ لئلا يصلى أحد عند قبره ويتخذه مسجدا، فيتخذ قبره وثنا‏.‏

وكان الصحابة والتابعون لما كانت ‏[‏الحجرة النبوية‏]‏ منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد ابن عبد الملك لا يدخل عنده أحد، لا لصلاة هناك، ولا لتمسح بالقبر، ولا دعاء هناك، بل هذا جميعه إنما يفعلونه في المسجد، وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلى القبلة لم يستقبلوا القبر‏.‏

وأما وقوف المسلم عليه، فقال أبو حنيفة‏:‏ يستقبل القبلة أيضا، لا يستقبل القبر‏.‏ وقال أكثر الأئمة‏:‏ بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة‏.‏ ولم يقل أحد من الأئمة‏:‏ يستقبل القبر عند الدعاء ـ أى الدعاء الذى يقصده لنفسه ـ إلا في حكاية مكذوبة ترروي عن مالك ومذهبه بخلافها‏.‏ واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقبله‏.‏ وهذا كله محافظة على التوحيد‏.‏

فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 23‏]‏، قالوا‏:‏ هؤلاء كانوا قوما صالحين /في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم‏.‏ وقد ذكر بعض هذا المعنى البخارى في صحيحه، كما ذكر قول ابن عباس‏:‏ أن هذه الأوثان صارت إلى العرب، وذكره ابن جرير الطبرى وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف‏.‏ وذكره غيره في قصص الأنبياء من عدة طرق‏.‏ وقد بسطت الكلام على هذه المسائل في غير هذا الموضع‏.‏

وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التى على القبور هم أهل البدع ـ من الرافضة وغيرهم ـ الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد؛ التى يشرك فيها، ويكذب فيها، ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانا، فإن الكتاب والسنة إنما فيه ذكر المساجد دون المشاهد، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 29‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏ 18‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 18‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 187‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 114‏]‏، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول‏:‏ ‏(‏إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، / فإنى أنهاكم عن ذلك‏)‏، والله تعالى أعلم‏.‏

فهذه ألفاظ المجيب‏.‏

فليتدبر الإنسان ما تضمنته وما عارض به هؤلاء المعارضون مما نقلوه عن الجواب، وما ادعوا أنه باطل‏:‏ هل هم صادقون مصيبون في هذا، أو هذا، أو هم بالعكس‏؟‏ والمجيب أجاب بهذا من بضع عشر سنة، بحسب حال هذا السائل واسترشاده، ولم يبسط القول فيها، ولا سمى كل من قال بهذا القول، ومن قال بهذا القول، بحسب ما تيسر في هذا الوقت‏.‏ وإلا فهذان القولان موجودان في كثير من الكتب المصنفة في مذهب مالك والشافعي وأحمد، وفي شروح الحديث، وغير ذلك‏.‏ والقول بتحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة ـ وإن كان قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ـ هو قول مالك وجمهور أصحابه، وكذلك أكثر أصحاب أحمد‏.‏ الحديث عندهم معناه تحريم السفر إلى غير الثلاثة، لكن منهم من يقول‏:‏ قبر نبينا لم يدخل في العموم‏.‏ ثم لهذا القول مأخذان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن السفر إليه سفر إلى مسجده‏.‏ وهذا المأخذ هو الصحيح‏.‏ وهو موافق لقول مالك وجمهور أصحابه‏.‏

والمأخذ الثانى‏:‏ أن نبينا لا يشبه بغيره من المؤمنين، كما قال / طائفة من أصحاب أحمد‏:‏ إنه يحلف به وإن كان الحلف بالمخلوقات منهيا عنه، وهو رواية عن أحمد‏.‏ ومن أصحابه من قال في المسألتين‏:‏ حكم سائر الأنبياء كحكمه؛ قاله بعضهم في الحلف بهم، وقاله بعضهم في زيارة قبورهم‏.‏ وكذلك أبو محمد الجوينى ومن وافقه من أصحاب الشافعي على أن الحديث يقتضى تحريم السفر إلى غير الثلاثة‏.‏

وآخرون من أصحاب الشافعي ومالك وأحمد قالوا‏:‏ المراد بالحديث نفي الفضيلة والاستحباب، ونفي الوجوب بالنذر، لا نفي الجواز‏.‏ وهذا قول الشيخ أبي حامد، وأبي على، وأبي المعالى، والغزالى، وغيرهم‏.‏ وهو قول ابن عبد البر، وأبي محمد المقدسى، ومن وافقهما من أصحاب مالك وأحمد‏.‏ فهذان هما القولان الموجودان في كتب المسلمين‏:‏ ذكرهما المجيب، ولم يعرف أحدا معروفا من العلماء المسلمين في الكتب قال‏:‏ إنه يستحب السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين‏.‏ ولو علم أن في المسألة قولا ثالثا لحكاه، لكنه لم يعرف ذلك، وإلى الآن لم يعرف أن أحدا قال ذلك، ولكن أطلق كثير منهم القول باستحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك‏.‏ وهذا مما لم يذكر فيه المجيب نزاعا في الجواب؛ فإنه من المعلوم أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يستحب السفر إليه بالنص والإجماع‏.‏ فالمسافر إلى قبره لابد إن كان عالما بالشريعة أن يقصد السفر إلى / مسجده، فلا يدخل ذلك في جواب المسألة؛ فإن الجواب إنما كان عمن سافر لمجرد زيارة قبورهم، والعالم بالشريعة لا يقع في هذا، فإنه يعلم أن الرسول قد استحب السفر إلى مسجده والصلاة فيه، وهو يسافر إلى مسجده‏.‏ فكيف لا يقصد السفر إليه فكل من علم ما يفعله باختياره فلابد أن يقصده، وإنما ينتفي القصد مع الجهل‏.‏ إما مع الجهل بأن السفر إلى مسجده مستحب لكونه مسجده لا لأجل القبر، وإما مع الجهل بأن المسافر إنما يصل إلى مسجده‏.‏ فأما مع العلم بالأمرين فلابد أن يقصد السفر إلى مسجده؛ ولهذا كان لزيارة قبره حكم ليس لسائر القبور من وجوه متعددة، كما قد بسط في مواضع‏.‏

وأهل الجهل والضلال يجعلون السفر إلى زيارته كما هو المعتاد لهم من السفر إلى زيارة قبر من يعظمونه‏.‏ يسافرون إليه ليدعوه، ويدعوا عنده، ويدخلوا إلى قبره، ويقعدوا عنده، ويكون عليه أو عنده مسجد نأبي لأجل القبر، فيصلون في ذلك المسجد تعظيما لصاحب القبر، وهذا مما لعن النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب على فعله، ونهى أمته عن فعله، فقال في مرض موته‏:‏ ‏(‏لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏، وهو في الصحيحين من غير وجه، وقال قبل أن يموت بخمس‏:‏ ‏(‏إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإنى أنهاكم / عن ذلك ‏)‏‏.‏ رواه مسلم‏.‏

فمن لم يفرق بين ما هو مشروع في زيارة القبور وما هو منهى عنه لم يعرف دين الإسلام في هذا الباب‏.‏

والمقصود التنبيه على ما في هذا المصنف الذى صنفه هذا المعترض على الجواب المذكور، وبيان ما فيه من الجهل والافتراء‏.‏

فمنها‏:‏ أنه قال في الجواب‏:‏ إنه ظهر لى من صريح ذلك الكلام وفحواه ومقصده إلىَّ ومغزاه‏:‏ وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها، ودعواه أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها‏.‏

فيقال‏:‏ معلوم لكل من رأى الجواب أنه ليس فيه تحريم لزيارة القبور؛ لا قبور الأنبياء ولا غيرهم؛ إذا لم يكن بسفر؛ ولا فيه دعروي الإجماع على تحريم السفر، بل قد صرح بالخلاف في ذلك‏.‏ فكيف يحكى عنه أنه يقول‏:‏ إن نفس زيارة القبور مطلقا معصية محرمة مجمع عليها، فهذا افتراء ظاهر على الجواب؛ ثم إنه تناقض في ذلك، فحكى بعد هذا عن المجيب أنه حكى الخلاف في جواز السفر‏.‏

ثم قال في آخر كلامه‏:‏ إن ما ادعاه مجمع على أنه حرام، وأنه يناقض في ذلك، وهو الذى يناقض في هذه الحكاية‏.‏ وأما المجيب /فحكــى قولهم في جــواز الســفر، وأنهم اتفقوا على أنه ليس بقربة ولا طاعة‏.‏ فمن اعتقد ذلك فقد خالف الإجماع، وإذا فعله لاعتقاده أنه طاعة كان محرما بالإجماع، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة‏.‏ هذا لفظ الجواب‏.‏

ومعلوم في كل عمل تنازع المسلمون فيه هل هو محرم أو مباح ليس بقربة أن من جعله قربة فقد خالف الإجماع، وإذا فعله متقربا به كان ذلك حراما بالإجماع، كما لو تقرب بلعب النرد والشطرنج، وبيع الدرهم بالدرهمين، وإتيان النساء في الحشوش، واستماع الغناء والمعازف، ونحو ذلك مما للناس فيه قولان؛ التحريم والإباحة، لم يقل أحد‏:‏ إنها قربة‏.‏ فالذى يجعله عبادة يتقرب به كما يتقرب بالعبادات قد فعل محرما بالإجماع‏.‏ وهذا يشبه التقرب بالملاهى والمعازف؛ فإن جمهور المسلمين على أنها محرمـــة، وبعضهم أباحها، ولم يقل أحد‏:‏ إنها قربة‏.‏ فقائل ذلك مخالف للإجماع؛ وإنما يقول ذلك زنديق؛ مثل ما حكى أبو عبد الرحمن السلمى عن ابن الراوندى أنه قال‏:‏ اختلف الفقهاء في الغناء‏:‏ هل هو حرام أو حلال، وأنا أقول‏:‏ إنه واجب‏.‏ ومعلوم أن هذا ليس من أقوال علماء المسلمين‏.‏

والذين يتقربون بسماع القصائد والتغبير ونحو ذلك هم مخطئون عند عامة الأئمة، مع أنه ليس في هؤلاء من يقول‏:‏ إن الغناء قربة / مطلقا، ولكن يقوله في صورة مخصوصة لبعض أهل الدين الذين يحركون قلوبهم بهذا السماع إلى الطاعات، فيحركون به وجد المحبة والترغيب في الطاعات، ووجد الحزن والخوف والترهيب من المخالفات‏.‏ فهذا هو الذى يقول فيه طائفة من الناس‏:‏ إنه قربة، مع أن الجمهور على أنهم مخطئون لو جعل هذا قربة؛ لكونه بدعة ليست واجبة ولا مستحبة، ولاشتماله على مفاسد راجحة على ما ظنوه من المصالح، كما في الخمر والميسر؛ فإنه وإن كان فيهما منافع للناس فإثمهما أكبر من نفعهما‏.‏

والشريعة تأمر بالمصالح الخالصة والراجحة، كالإيمان والجهاد؛ فإن الإيمان مصلحة محضة، والجهاد وإن كان فيه قتل النفوس فمصلحته راجحة، وفتنة الكفر أعظم فسادا من القتل، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 217‏]‏، ونهى عن المفاسد الخالصة والراجحة، كما نهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وعن الإثم، والبغى بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون‏.‏ وهذه الأمور لا يبيحها قط في حال من الأحوال، ولا في شرعة من الشرائع‏.‏ وتحريم الدم والميتة ولحم الخنزير والخمر وغير ذلك مما مفسدته راجحة‏.‏ وهذا الضرب تبيحه عند الضرورة؛ لأن مفسدة فوات النفس أعظم من مفسدة الاغتذاء به‏.‏

والفقهاء إنما تنازعوا في الخمر‏:‏ هل تشرب للعطش؛ لتنازعهم في / كونها تذهب العطش، والناهى قال‏:‏ لا تزيد الشارب إلا عطشا، فلا يحصل به بقاء المهجة‏.‏ والمبيح يقول‏:‏ بل قد ترطب رطوبة تبقى معها المهجة، وحينئذ فأى المأخذين كان هو الواقع، كان قول صاحبه أصوب‏.‏ وبسط هذا له موضع آخر‏.‏

والمقصود أن ما اختلف فيه العلماء‏:‏ هل هو حرام أو مباح، كان من جعله قربة مخالفا لإجماعهم، كما إذا اختلف الصحابة على قولين، فمن أحدث قولا ثالثا فقد خالف إجماعهم؛ ولهذا لم يكن في المسلمين من يقول‏:‏ إن استماع الغناء قربة مطلقا، وإن قال‏:‏ إن سماع القول الذى شرط له المكان والإمكان والإخوان ـ وهو ترغيب في الطاعات وترهيب من المخالفات قربة، فلا يقول قط‏:‏ إن كل من سمع الملاهى فهو متقرب، كما يقول القائل‏:‏ إن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين قربة، وأنه إذا نذر السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه يفي بهذا النذر، فإن هذا القول لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين، وإن أطلقوا القول بأن السفر إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، قربة، أو قالوا‏:‏ هو قربة مجمع عليها، فهذا حق إذا عرف مرادهم بذلك، كما ذكر ذلك القاضى عياض، وابن بطال وغيرهما، فمرادهم السفر المشروع إلى مسجده، وما يفعل فيه من العبادة المشروعة التى تسمى زيارة لقبره، ومالك وغيره يكرهون أن تسمى زيارة لقبره، فهذا الإجماع /على هذا المعنى صحيح لا ريب فيه‏.‏

ولكن ليس هذا إجماعاً على ما صرحوا بالنهى عنه، أو بأنه ليس بقربة ولا طاعة‏.‏ والسفر لغير المساجد الثلاثة قد صرح مالك وغيره؛ كالقاضى إسماعيل، والقاضى عياض، وغيرهما‏:‏ أنه منهى عنه، لا يفعله لا نادر ولا متطوع، وصرحوا بأن السفر إلى المدينة وإلى بيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين هو من السفر المنهى عنه ليس له أن يفعله، وإن نذره، سواء سافر لزيارة أى نأبي من الأنبياء، أو قبر من قبورهم، أو قبور غيرهم، أو مسجد غير الثلاثة؛ فهذا كله عندهم من السفر المنهى عنه، فكيف يقولون‏:‏ إنه قربة، ولكن الإجماع على تحريم اتخاذه قربة لا يناقض النزاع في الفعل المجرد‏.‏

وهذا الإجماع المحكى عن السلف والأئمة لا يقدح فيه خلاف بعض المتأخرين إن وجد، ولكن إن وجد أن أحدا من الصلحاء المعروفين من السلف قال‏:‏ إنه يستحب السفر لمجرد زيارة القبور، أو لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، كان هذا قادحا في هذا الإجماع، ويكون في المسألة ثلاثة أقوال، ولكن الذى يحكى الإجماع لم يطلع على هذا القول، كما يوجد ذلك كثيرا لكثير من العلماء، ومع هذا فهذا القول يرد إلى الكتاب والسنة، لا يجوز إلزام الناس به بلا حجة، فإن هذا خلاف إجماع المسلمين‏.‏

/ فصــل

ومنها‏:‏ ظنه أن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من جنس الزيارة المعهودة في قبر غيره، حتى يحتج عليها بزيارة البقيع، وشهداء أحد، وزيارة قبر أمه‏.‏

ومنها‏:‏ أنه جعل من حرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور مجاهرا بالعداوة للأنبياء، مظهرا لهم العناد‏.‏ ومعلوم أن هذا قول أكثر المتقدمين‏:‏ كمالك وأكثر أصحابه، والجوينى أبي محمد، وغيره من أصحاب الشافعي، وأكثر متقدمى أصحاب أحمد‏.‏ فيلزمه أن يكون إمامه مالك وغيره من أئمة الدين مجاهرين للأنبياء بالعداوة، معاندين لهم‏.‏ وهذا لو قاله فيما أخطؤوا فيه لاستحق العقوبة البليغة؛ فكيف إذا قاله فيما اتبعوا فيه الرسول، واتبعوا فيه سنته الصحيحة، فحرموا ما حرم‏.‏ فقد جعل المطيع لله ورسوله الذى رضى الله ورسوله وأنبياؤه عمله مجاهرا لهم بالعداوة، معاندا لهم‏.‏ فكفر من حكم الله ورسوله بإيمانه‏.‏

ومثل هذا يبين له الصواب، وأن هذا القول هو الذى جاء به / الرسول، وكان عليه السابقون الأولون من الأمة وأئمتها، وعليه دل الكتاب والسنة، فإذا تبين له أن هذا هو الذى جاء به الرسول ثم أصر على مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل‏.‏

وكذلك إذا تبين أن هذا القول ليس بكفر، بل هو مما اتفق المسلمون على أنه قول سائغ، وقائله مجتهد مأجور على اجتهاده، سواء أصاب أو أخطأ، فإذا أصر على تكفير من تبين بالكتاب والسنة والإجماع أنه لا يكفر، وتبين له أنه يكفر، فأصر على مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، كمن جعل اعتقاد أن المسيح عبد الله معاداة للمسيح، أو اعتقد أن من قال‏:‏ لا تحلف بالأنبياء فقد عاداهم وكفر، فإن مثل هذا يستتاب‏.‏

ومنها‏:‏ أن هذه المسألة قد نص عليها مالك إمامه وجمهور أصحابه، وهو في كتبهم الكبار والصغار، وهو لم يعرف ما قالوا، بل يكفر ويلعن ويشتم من قال بنفس القول الذى قالواه، فيلزمه تكفيرهم، وسبهم، واستحلال دمائهم‏.‏

ومنها‏:‏ أنه قال‏:‏ ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة، وغيرها مما لم يبلغ درجة الصحيح؛ لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام /الشرعية‏.‏ وهذا كلام من لا يعرف ما رروي في هذا الباب، ولا ما قاله فيه علماء المسلمين، بل هو بمنزلة الرافضى الذى يقول‏:‏ قد رروي في النص عَلَى علِىٍّ أنه الإمام بعد رسول الله أحاديث صحيحة وأخر دونها‏.‏ ومعلوم أن الأحاديث التى فيها ذكر زيارة قبره لم يخرج شيئا منها أهل الصحيح، ولا السنن المعتمد عليها؛ كسنن أبي داود، والترمذى؛ ولا المسانيد التى هى من هذا الجنس؛ كمسند أحمد‏.‏ ولا استدل بشىء منها إمام، وهو مع ذلك لم يذكر منها حديثا واحدا فضلا عن أن يعزوه إلى كتاب‏.‏

وقوله‏:‏ إن ما لم يبلغ درجة الصحيح منها يجوز الاستدلال بها، إنما يكون إذا كانت حسنة عند من قسم الحديث إلى ثلاثة أنواع، وهذا موقوف على العلم بحسنها، وأئمة الحديث لم يحكموا بذلك، وهو وأمثاله لا يعرفون ذلك‏.‏ فالقول بذلك من أعظم القول بلا علم في الدين، والجرأة على سنة رسول رب العالمين، بأن يدخل فيها ما ليس منها بالجهل والضلال‏.‏ فكيف إذا كان جميع ما رروي في هذا الباب مما ضعفه أهل المعرفة بالحديث، بل حكموا بأنه كذب موضوع، كما قد بسط الكلام على ما رروي في هذا الباب في غير هذا الكتاب‏.‏

ومنها‏:‏ أنه لم يفرق بين ‏[‏الزيارة الشرعية‏]‏ التى كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها، ومقصودها الدعاء للميت؛ كالصلاة على جنازته، /وبين ما ابتدعه الضالون من الإشراك بالميت، والحج إلى قبره، ودعائه من دون الله ، ومقصوده بزيارته والسفر إليه أنه يدعوه من دون الله؛ لا أنه يدعو له‏.‏ وهذه الزيارة لم يفعلها الرسول، ولا أذن فيها قط، فكيف بالسفر إليها‏؟‏‏!‏ وهو من جنس الحج إلى الطواغيت‏.‏

ومنها‏:‏ أنه جعل زيارة الميت كزيارته حيا، واستدل بحديث ‏(‏الذى زار أخا له في الحياة‏)‏ على أنه يستحب زيارة الميت، وهذه التسوية والقياس ما عرفت عن أحد من علماء المسلمين؛ فإنه من المعلوم أن الصحابة الذين سافروا إلى الرسول فساعدوه، وسمعوا كلامه، وخاطبوه وسألوه فأجابهم، وعلمهم، وأدبهم، وحملهم رسائل إلى قومهم، وأمرهم بالتبليغ عنه، لا يكون مثلهم أحد بالأعمال الفاضلة؛ كالجهاد، والحج‏.‏ فكيف يكون بمجرد رؤية ظاهر حجرته مثلهم‏؟‏‏!‏ أو تقاس هذه الزيارة بهذه الزيارة‏؟‏‏!‏

فقد ثبت بالسنة واتفاق الأمة أن كل ما يفعل من الأعمال الصالحة في المسجد عن حجرته من صلاة عليه، وسلام، وثناء، وإكرام، وذكر محاسن، وفضائل، ممكن فعله في سائر الأماكن، ويكون لصاحبه من الأجر ما يستحقه، كما قال‏:‏ ‏(‏لا تتخذوا بيتى عيداً، وصلوا على، فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم‏)‏‏.‏ ولو كان للأعمال عند القبر فضيلة لفتح للمسلمين باب الحجرة؛ فلما منعوا من الوصول إلى القبر، / وأمروا بالعبادة في المسجد، علم أن فضيلة العمل فيه لكونه في مسجده، كما أن صلاة في مسجده بألف صلاة فيما سواه، ولم يأمر قط بأن يقصد بعمل صالح أن يفعل عند قبره صلى الله عليه وسلم‏.‏

ومنها‏:‏ افتراؤه على المجيب في مواضع متعددة افتراء ظاهرا، وسبب افترائه عليه أنه ذكر قول علماء المسلمين، ورجح ما قاله مالك وغيره من السلف، لكون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة توافقهم، وهذا يستلزم معاداة الله ورسوله؛ إذ كان من عادى سنته وشريعته ودينه فقد عاداه، ومن عادى شخصا لأجل ذلك فإنما عادى الرسول في الحقيقة وإن لم يقصد ذلك‏.‏ فكيف يجوز الكذب والافتراء مرة بعد مرة‏؟‏‏!‏ وهو كذب ظاهر‏.‏ ولو كان المجيب مخطئا لما جاز ذلك؛ فإن الكذب والافتراء حرام مطلقا، والله أوجب الصدق والعدل لكل أحد على كل أحد في كل حال‏.‏

فكيف إذا كان ما ذكره المجيب من الأقوال هى أقوال المتبعين للرسول صلى الله عليه وسلم، والمعترض القادح فيهم وفيما قالوه الشاتم المكفر لمن آمن بالرسول وأطاعه واتبعه على نفس ما هو متابعة للرسول وإيمان به، قوله هذا المتضمن عداوة الرسول، وعداوة ما جاء به، وعداوة من اتبعه، وإن لم يكن عالما بما تضمنه قوله‏.‏ فقوله مع عدم العلم من جنس أقوال المحادين لله ولرسوله، الموالين لأهل / الإفك والشرك، المضاهين للنصارى وأمثالهم، مع أنهم لا يعلمون أن قولهم يتضمن ذلك؛ لقلة العلم، وسوء الفهم، والبعد عن أهلية الاجتهاد، والاستدلال بالأدلة الشرعية، ومعرفة ما قاله أئمة الدين‏.‏

بل هم في مثل هذه المسألة العظيمة يتكلمون بأنواع من الكلام صاحبها إلى الاستتابة والتعزير والتعليم والتفهيم أحوج منه إلى الرد عليه والمناظرة له، كما يوجد في جهال أهل البدع من الرافضة والخوارج وغيرهم من يسارع إلى تكفير من اتبع الرسول من السلف؛ لقلة علمه، وسوء فهمه لما جاء به الرسول‏.‏ فهم مبتدعون بدعة بجهلهم، ويكفرون من خالفهم‏.‏

وأهل السنة والعلم والإيمان يعرفون الحق، ويتبعون سنة الرسول، ويرحمون الخلق، ويعدلون فيهم، ويعذرون من اجتهد في معرفة الحق فعجز عن معرفته؛ وإنما يذمون من ذمه الله ورسوله، وهو المفرط في طلب الحق لتركه الواجب، والمعتدى المتبع لهواه بلا علم، لفعله المحرم‏.‏ فيذمون من ترك الواجب، أو فعل المحرم، ولا يعاقبونه إلا بعد إقامة الحجة عليه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 15‏]‏، لاسيما في مسائل تنازع فيها العلماء، وخفي العلم فيها على أكثر الناس، ومن كان لا يتكلم بطريقة أهل /العلم بل جازف في القول بلا علم‏.‏

فصاحب هذا الكلام لا يصلح للمناظرة، إلا كما يناظر جهال العوام المبتدعين، المضاهين للمشركين والنصارى، فإنهم يجعلون من قال الحق في المخلوق سابا له شاتماً، وهم يسبون الله ويشتمونه ويؤذونه، ولا يخافون من سب الخالق وشتمه وأشرك به ما يخافونه من قول الحق في حق المخلوق، كما قال الخليل لهم‏:‏ ‏{‏وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏81، 82‏]‏، وكما قال تعالى عن المشركين‏:‏ ‏{‏وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 36‏]‏، فلا يغضبون من ذكر الرحمن بالباطل كما يغضبون من ذكر آلهتهم بالحق‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفي بِاللّهِ وَكِيلاً لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171، 172‏]‏‏.‏

وقد ذكر أهل التفسير‏:‏ أن النصارى ـ نصارى نجران ـ / لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ يا محمد، لم تذكر صاحبنا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ومن صاحبكم‏؟‏‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ عيسى‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏وأى شىء أقول له‏؟‏ هو عبد الله ‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ بل هو الله‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏إنه ليس بعار عليه أن يكون عبدا لله‏)‏‏.‏ فقالوا‏:‏ بلى‏.‏ فأنزل الله هذه الآية، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏مـا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله؛ يجعلون له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم‏)‏، وفي الصحيحين ـ أيضا ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏يقول الله‏:‏ شتمنى ابن آدم وما ينبغى له ذلك، وكذبنى ابن آدم وما ينبغى له ذلك‏.‏ فأما شتمه إياى فقوله‏:‏ إنى اتخذت ولدا، وأنا الأحد الصمد، الذى لم ألد ولم أولد‏.‏ ولم يكن لى كفوا أحد‏.‏ وأما تكذيبه إياى فقوله‏:‏ لن يعيدنى كما بدأنى، وليس أول الخلق بأهون على من إعادته‏)‏، وكان معاذ بن جبل يقول عن النصارى‏:‏ لا ترحموهم فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر‏.‏

فهؤلاء ينتقصون الخالق ويأنفون أن يذكر المخلوق بما يستحقه ويجعلون ذلك تنقيصا له، وإنما هو إعطاؤه حقه، وخفض له عن درجة الإلهية التى لا يستحقها إلا الله ، وهذه حال من أشبههم من بعض الوجوه‏.‏

ومنها‏:‏ ظنه أن كل ما كان قربة جاز التوسل إليه بكل وسيلة، /وهذا من أظهر الخطأ‏.‏

ومنها‏:‏ ظنه أن القول بتحريم السفر لم يقل به أحد من أهل العلم، بل إنما نقله المجيب إن صح نقله عمن لا يعتمد عليه، ولا يعتد بخلافه‏.‏ وهو نص مالك الصريح في خصوص قبر الرسول، ومذهب جمهور أصحابه، وجمهور السلف والعلماء‏.‏

ومنها‏:‏ زعمه أن الذين حكى المجيب قولهم ـ وهم الغزالى وابن عبدوس وأبو محمد المقدسى ـ لا يعتد بخلاف من سواهم، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم، ومثل هذا الكلام لا يقال في أحد من الأئمة الكبار، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب الشرع، فكيف يسوغ أن يقال في مثل هؤلاء‏؟‏‏!‏

ومنها‏:‏ أنه لما أراد أن يثبت أن النبي يسمع من القرب، ويبلغ الصلاة والسلام من البعد، لم يذكر ما في ذلك من الأحاديث الحسان التى في السنن، بل إنما اعتمد على حديث موضوع ‏(‏من صلى على عند قبرى سمعته، ومن صلى على نائيا بلغته‏)‏‏.‏ وهذا إنما يرويه محمد بن مروان السدى، عن الأعمش‏.‏ وهو كذاب بالاتفاق‏.‏ وهذا الحديث موضوع على الأعمش بإجماعهم‏.‏

ثم قد غير لفظه‏.‏ ففي النسخة التى رأيتها مصححا‏:‏ ‏(‏ومن / صلى على نائيا سمعته‏)‏، وإنما لفظه‏:‏ ‏[‏بلغته‏]‏ وهكذا ذكره القاضى عياض عن مسند بن أبي شيبة، وهو نقل منه‏.‏ ومن يحتج بمثل هذا الحديث الموضوع ويعرض عن أحاديث أهل السنن الحسان فهو من أبعد الناس عن أهل العلم والعرفان‏.‏ وإذا كان قد حرف لفظه فهو ظلمات بعضها فوق بعض، من جنس فعل الملاحدة في قوله‏:‏ ‏(‏أول ما خلق الله العقل قال له‏:‏ أقبل فأقبل‏)‏ الحديث، فهو كذب موضوع‏.‏ ومع هذا فحرفوا لفظه، فقالوا‏:‏ أول بالضم، ولفظه‏:‏ ‏(‏أول ما خلق‏)‏ بالنصب على الظرف، كما رروي‏:‏ ‏(‏لما خلق‏)‏‏.‏

ومنها‏:‏ أنه احتج بإجماع السلف والخلف على زيارة قبره، وظن أن الجواب يتضمن النهى عما أجمع عليه، وقد صرح في الجواب بأن السفر إلى مسجده طاعة مجمع عليها، وكذلك ما تضمنه مما يسمى بزيارة لقبره من الأمور المستحبة؛ مثل الصلاة عليه، والسلام عليه، والدعـاء له بالوسيلة وغـيرها، والشهادة له، والثناء عليه بما فضله الله بـه، ومحبتـه، ومـوالاته، وتعـزيره، وتوقـيره، وغير ذلك مما قد يدخـل في مسمى الزيـارة، فهذا كله مستحب‏.‏ والمجيب يصرح باستحباب ذلك، وقد تنازع العلماء‏:‏ هل يسمى هذا زيارة‏؟‏ وذكر تنازع العلماء فيما تنازعوا فيه من ذلك ، وإجماعهم على ما أجمعوا عليه ، فذكر جـواز مـا ثبت بالنص والإجماع مـن السفر إلى مسجده وزيارة قبره ، وذكـر بعض ما / تنـوزع فيـه مـن ذلك‏.‏ وهـذا ظـن أن السفـر إلى زيارة نبينا كالسفر إلى غـيره مـن الأنبياء والصالحين، وهو غلط من وجوه‏:‏

أحدها‏:‏ أن مسجده عند قبره، والسفر إليه مشروع بالنص والإجماع، بخلاف غيره‏.‏

والثانى‏:‏ أن زيارته كما يزار غيره ممتنعة، وإنما يصل الإنسان إلى مسجده، وفيه يفعل ما شرع له‏.‏

الثالث‏:‏ أنه لو كان قبر نبينا يزار كما تزار القبور لكان أهل مدينته أحق الناس بذلك، كما أن أهل كل مدينة أحق بزيارة من عندهم من الصالحين، فلما اتفق السلف وأئمة الدين على أن أهل مدينته لا يزورون قبره، بل ولا يقفون عنده للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا‏.‏ وإن لم يسم هذا زيارة بل يكره لهم ذلك عند غير السفر، كما ذكر ذلك مالك، وبين أن ذلك من البدع التى لم يكن صدر هذه الأمة يفعلونه، علم أن من جعل زيارة قبره مشروعة كزيارة قبر غيره فقد خالف إجماع المسلمين‏.‏

الرابع‏:‏ أنه قد نهى أن يتخذ قبره عيدا، وأمر الأمة أن تصلى عليه وتسلم حيثما كانت، وأخبر أن ذلك يبلغه‏.‏ فلم يكن تخصيص البقعة بالدعاء له مشروعا، بل يدعى له في جميع الأماكن، وعند كل / أذان،وفي كل صلاة،وعند دخول كل مسجد،والخروج منه، بخلاف غيره‏.‏ وهذا لعلو قدره، وارتفاع درجته، فقد خصه الله من الفضيلة بما لم يشركه فيه غيره؛ لئلا يجعل قبره مثل سائر القبور، بل يفرق بينهما من وجوه متعددة، ويبين فضله على غيره، وما من الله به على أمته‏.‏

ومنها‏:‏ أنه قال‏:‏ لم يلزم من دعواه بأن ذلك مجمع على تحريمه أن يكون السادة الصحابة مع التابعين ومن بعدهم من العلماء المجتهدين للإجماع خارقين مصرين على تقرير الحرام، مرتكبين بأنفسهم وفتاويهم ما لا يجوز عليه الإقدام، مجمعين على الضلالة، سالكين طريق العماية والجهالة‏.‏

وفي هذا الكلام من الجهل بالشريعة، وما أجمع عليه المسلمون، والتسوية بين عبادة الرحمن ـ التى أجمع عليها أهل الإيمان ـ وبين عبادة الأوثان التى أجمعوا على تحريمها وغير ذلك، مما يبين اشتمال هذا الكلام على أنواع من مخالفة دين الإسلام، ولو كان صاحبه ممن يفهم ما قال ولوازمه لكان مرتدا يجب قتله، لكنه جاهل قد يتكلم بما لا يتصوره ويتصور لوازمه‏.‏

فيقال له ولأمثاله ـ ممن ظن أن في الجواب ما يخالف الإجماع ـ‏:‏ /الذى أجمع عليه المسلمون سلفا وخلفا، قرنا بعد قرن‏:‏ هو السفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم، والصلاة والسلام عليه فيه، ونحو ذلك مما يحبه الله ورسوله من الأعمال المتضمنة لعبادة الله وحده، والقيام بحق رسوله من أفضل العبادات لله، كشهادتنا له، وثنائنا عليه‏.‏ وصلاتنا وسلامنا عليه من أفضل ما عبدنا الله به، وهذا ونحوه هو المشروع في مسجده، سواء سمى زيارة لقبره أو لم يسم‏.‏

فإن لفظ الزيارة لقبره واستحباب ذلك لا يعرف عن أحد من الصحابة، بل المنقول عن ابن عمر ومن وافقه؛ السلام عليه هناك، والصلاة‏.‏ وهم لا يسمون هذا زيارة لقبره، فكيف بالذين لم يكونوا يقفون عند القبر بحال‏؟‏‏!‏ وهم جمهور الصحابة‏.‏

وأما ما ابتدعه بعض الناس من الشرك والبدع وسمى ذلك ‏[‏زيارة لقبره‏]‏، فهو من جنس الزيارة البدعية التى تفعل عند قبر غيره، ليس هو من الزيارة الشرعية‏.‏

وأما ما يدخل في الأعمال الشرعية، فهذا هو المستحب بسنته الثابتة عنه، وبإجماع أمته‏.‏ ثم من أئمة العلم من لا يسمى هذا ‏[‏زيارة لقبره‏]‏ بل يكره هذه التسمية؛ فضلا عن أن يقول‏:‏ إن ذلك سفر إلى قبره‏.‏ وقد صرح من قال ذلك مثل مالك وغيره بأن المسافر إلى هناك إذا / كان مقصوده القبر أنه سفر منهى عنه، داخل في قوله‏:‏ ‏(‏لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد‏)‏، وأن السفر الذى هو طاعة وقربة أن يقصد السفر لأجل الصلاة في المسجد، وأنه لو نذر أن يسافر إلى المدينة لغير الصلاة في المسجد، فإنه ينهى عن الوفاء بنذره؛ لأنه نذر معصية‏.‏

فإذا كان هذا من قولهم معروفا في الكتب الصغار والكبار، فكيف يظن أن السفر لمجرد زيارة القبور هو مجمع عليه بين الأئمة‏.‏ وطائفة أخرى من العلماء يسمون هذا زيارة لقبره‏.‏ ويقولون‏:‏ تستحب زيارة قبره، أو السفر لزيارة قبره، ومقصودهم بالزيارة هو مقصود الأولين، وهو السفر إلى مسجده، وأن يفعل في مسجده ما يشرع من الصلاة والسلام عليه، والدعاء له والثناء عليه، وهذا عندهم يسمى زيارة لقبره مع اتفاق الجميع على أن أحدا لا يزور قبره الزيارة المعروفة في سائر القبور‏؟‏‏!‏ فإن تلك قبور بارزة يوصل إليها، ويقعد عندها، أو يقام عندها ويمكن أن يفعل عندها ما يشرع؛ كالدعاء للميت، والاستغفار له، وما ينهى عنه؛ كدعائه، والشرك به، والنياحة عند قبره، والندب‏.‏ فهذا هو المفهوم من ‏[‏زيارة القبور‏]‏‏.‏

والرسول دفن في بيته في حجرته، ومنع الناس من الدخول إلى هناك، والوصول إلى قبره، فلا يقدر أحد أن يزور قبره كما يزور قبر غيره؛ لا زيارة شرعية، ولا بدعية، بل إنما يصل جميع الخلق / إلى مسجده، وفيه يفعلون ما يشرع لهم، أو ما يكره لهم‏.‏ والسفر إلى مسجده ـ لما شرع ـ سفر طاعة وقربة بالإجماع؛ وهو الذى أجمع عليه المسلمون‏.‏

والمجيب قد ذكر استحباب هذا السفر، وأنه يستحب بالنص والإجماع في مواضع كثيرة، وقد ذكر ذلك في هذا الجواب ، وبين ما ثبت بالنص والإجماع من السفر إلى مسجده وزيارته الشرعية، وبين ما لم يشرع من السفر إلى زيارة قبر غيره مما في قبور الأنبياء والصالحين؛ فإن السفر إلى هناك ليس هو سفر إلى مسجد شرع السفر إليه، بل المساجد التى هناك إن كانت مما يشرع بناؤه والصلاة فيه ـ كجوامع المسلمين التى في الأمصار ـ فهذه ليس السفر إليها قربة ولا طاعة، لا عند الأئمة الأربعة، ولا عامة أئمة المسلمين‏.‏ والسفر إليها داخل في قوله‏:‏ ‏(‏لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد‏)‏ باتفاق الناس؛ فإن هذا استثناء مفرغ‏.‏ والتقدير فيه أحد أمرين‏:‏

إما أن يقال‏:‏ ‏(‏لا تشد الرحال‏)‏ إلى مسجد ‏(‏إلا المساجد الثلاثة‏)‏ فيكون نهياً عنها باللفظ، ونهياً عن سائر البقاع التى يعتقد فضيلتها بالتنبيه والفحروي وطريق الأولى؛ فإن المساجد والعبادة فيها أحب إلى اللّه من العبادة في تلك البقاع بالنص والإجماع، فإذا كان السفر إلى البقاع الفاضلة قد نهى عنه، فالسفر إلى المفضولة / أولى وأحرى‏.‏

وكذلك من جعل معنى الحديث‏:‏ لا يستحب السفر إلا إلى الثلاثة‏.‏ إن جعل معناه‏:‏ لا يجب إلا إلى الثلاثة وأراد به الوجوب بالنذر ـ كما ذكر ذلك طائفة ـ فهؤلاء يقولون‏:‏ ما سروي الثلاثة لا يستحب السفر إليه، ولا يجب بالنذر‏.‏ ومن حمل معنى الحديث على نفي الاستحباب أو نفي الوجوب بالنذر فقولهما واحد في المعنى، فإذا لم يجب بالنذر إلا هذه الثلاثة فقد وجب بالنذر السفر إلى المسجدين، وليس واجباً بالشرع‏.‏ فعلم أن وجوبه لكونه مستحباً بالشرع‏.‏ فإذا لم يوجب إلا هذان مما ليس واجباً بالشرع علم أنه ليس مستحباً إلا هذان‏.‏ وقد بسط هذا في موضع آخر‏.‏

وإما أن يقال‏:‏ التقدير‏:‏ لا تسافروا إلي بقعة ومكان غير الثلاثة‏.‏ أو يكون المعني‏:‏ لا يستحب إلي مكان غير الثلاثة، وهو معني كل من قال‏:‏ لايجب بالنذر إلي غير الثلاثة، أي‏:‏ لا تسافروا لقصد ذلك المكان والبقعة بعينه؛ بحيث يكون المقصود والعبادة في نفس تلك البقعة، كالسفر إلي المساجد الثلاثة، بخلاف السفر إلي الثغور، فإن المقصود السفر إلي مكان الرباط‏.‏

و ‏[‏الثغر‏]‏ قد يكون مكاناً ثم يفتح المسلمون ما جاورهم فينتقل /الثغر إلي حد بلاد المسلمين؛ ولهذا يكون المكان تارة ثغراً، وتارة ليس بثغر؛ كما يكون تارة دار إسلام وبِرٍّ، وتارة دار كفر وفسق؛ كما كانت مكة دار كفر وحرب، وكانت المدينة دار إيمان وهجرة ومكاناً للرباط، فلما فتحت مكة صارت دار إسلام، ولم تبق المدينة دار هجرة ورباط كما كانت قبل فتح مكة، بل قد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا‏)‏، وصارت الثغور أطراف أرض الحجاز المجاورة لأرض الحرب؛ أرض الشام، وأرض العراق‏.‏ ثم لما فتح المسلمون الشام والعراق صارت الثغور بالشام سواحل البحر؛ كعسقلان، وعكة، وما جاور ذلك‏.‏ وبالعراق عبادان ونحوها؛ ولهذا يكثر ذكر ‏[‏عسـقلان‏]‏، و‏[‏عبادان‏]‏ في كلام المتقدمين؛ لكونهما كانا ثغرين، وكانت أيضاً ‏[‏طرطوس‏]‏ ثغرا لما كانت للمسلمين، ولما أخذها الكفار صار الثغر ما يجاور أرض العدو من البلاد الحلبية‏.‏

فالمسافر إلي الثغور أو طلب العلم أو التجارة أو زيارة قريبه، ليس مقصوده مكاناً معيناً إلا بالعرض إذا عرف أن مقصوده فيه، ولو كان مقصوده في غيره لذهب إليه‏.‏ فالسفر إلي مثل هذا لم يدخل في الحديث باتفاق العلماء، وإنما دخل فيه من يسافر لمكان معين لفضيلة ذلك بعينه، كالذي يسافر إلي المساجد، وآثار الأنبياء‏:‏ كالطور الذي كلم اللّه /عليه موسي، وغار حراء الذي نزل فيه الوحي ابتداء على الرسول ، وغار ثَوْر المذكور في القرآن في قوله‏:‏ ‏{‏إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 40‏]‏، وما هو دون ذلك من المغارات والجبال؛ كالسفر إلي جبل لبنان، ومغارة الدم، ونحو ذلك‏.‏ فإن كثيراً من الناس يسافر إلي ما يعتقد فضله من الجبال والغيران‏.‏ فإذا كان الطور الذي كلم اللّه عليه موسي وسماه البقعة المباركة والوادي المقدس لا يستحب السفر إليه ، فغير ذلك من الجبال أولي ألا يسافر إليه‏.‏

وقولي‏:‏ بالإجماع؛ أعني به إجماع السلف والأئمة؛ فإن الصحابة كابن عمر وأبي سعيد وأبي بصرة وغيرهم فهموا من قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تشد الرحال إلا إلي ثلاثة مساجد‏)‏ أن الطور الذي كلم اللّه عليه موسي، وسماه‏:‏ ‏[‏الوادي المقدس‏]‏ و ‏[‏البقعة المباركة‏]‏ داخل في النهي، ونهوا الناس عن السفر إليه، ولم يخصوا النهي بالمساجد‏.‏ ولهذا لم يوجب أحد ذلك بالنذر، وما علمت في هذا نزاعا قديماً، ولا رأيت أحداً صرح بخلاف ذلك؛ إلا ابن حزم الظاهري، فإنه يحرم السفر إلي مسجد غير الثلاثة إذا نذره كقول الجمهور، وإذا نذر السفر إلي أثر من آثار الأنبياء أوجب الوفاء به؛ لأنه لا يقول بفحوي الخطاب وتنبيهه، وهذا هو إحدي الروايتين عن داود، فلا يجعل قوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏ دليلا على النهي عـن السـب والشتم /والضرب، ولا نهيه عن أن يبال في الماء الدائم ثم يغتسل فيه نهياً عن صب البول ثم الاغتسال فيه، وجمهور العلماء يرون أن مثل هذا من نقص العقل والفهم، وأنه من ‏[‏باب السفسطة‏]‏ في جحد مراد المتكلم، كما هو مبسوط في موضع آخر‏.‏

وإذا كان غار حراء الذي كان أهل مكة يصعدون إليه للتعبد فيه، ويقال‏:‏ إن عبد المطلب سن لهم ذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة يتحنث فيه، وفيه نزل عليه الوحي أولا، لكن من حين نزل الوحي عليه ما صعد إليه بعد ذلك، ولا قربه، لا هو ولا أصحابه، وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة لم يزره ولم يصعد إليه، وكذلك المؤمنون معه بمكة‏.‏ وبعد الهجرة أتي مكة مراراً في عمرة الحديبية، وعام الفتح، وأقام بها قريباً من عشرين يوماً، وفي عمرة الجِعْرَانة، ولم يأت غار حِرَاء، ولا زاره‏.‏ فإذا كان هذا الغار لا يسافر إليه ولا يزار فغيره من المغارات كمغارة الدم ونحوها أولي ألا تزار‏.‏ فإن العبادات بعد مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم كالصلاة والذكر والدعاء مشروعة في كل مكان جعلت الأرض كلها له ولأمته مسجداً وطهوراً‏.‏

والأماكن المفضلة هي المساجد، وهي أحب البقاع إلي اللّه؛ كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفيها الاعتكاف،/ فلا يكون الاعتكاف إلا في المساجد باتفاق العلماء، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 187‏]‏، لا يكون الاعتكاف لا بخلوة ولا غير خلوة، لا في غار ولا عند قبر، ولا غير ذلك مما يقصد الضالون السفر إليه والعكوف عنده، كعكوف المشركين على أوثانهم‏.‏ قال الخليل‏:‏ ‏{‏مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 52‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَي اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏138، 139‏]‏‏.‏ وبسط هذا له موضع آخر‏.‏

وقد صح عن سعيد بن المسيب أنه قال‏:‏ من نذر أن يعتكف في مسجد إيليا فاعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف في مسجد المدينة فاعتكف في المسجد الحرام أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف على رؤوس الجبال فإنه لا ينبغي له ذلك، ليعتكف في مسجد جماعة‏.‏ وهذا الذي نهي عنه سعيد متفق عليه عند عامة العلماء، وإن قدر أن الرجل لا يسمي ذلك اعتكافا، فمن فعل ما يفعل المعتكف في المسجد فهو معتكف في غير المسجد، وذلك منهي عنه بالاتفاق‏.‏ وبسط هذا له موضع آخر‏.‏

والمقصود هنا أن السفر إلي غير المساجد الثلاثة من قبر، وأثر/ نبي، ومسجد وغير ذلك‏:‏ ليس بواجب ولا مستحب بالنص والإجماع، والسفر إلي مسجد نبينا مستحب بالنص والإجماع، وهو مراد العلماء الذين قالوا‏:‏ تستحب زيارة قبره بالإجماع‏.‏ فهذا هو الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من المجتهدين، وللّه الحمد‏.‏ والمجيب قد ذكر استحباب هذا بالنص والإجماع، فكلام المجيب يبين أنه متبع للصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء المجتهدين، وأنهم منزهون عن تقرير الحرام، أو خرق الإجماع، منزهون أن يجمعوا على ضلالة، أو يسلكوا طريق العماية والجهالة‏.‏

وهذا المعترض وأشباهه من الجهال سووا بين هذا السفر الذي ثبت استحبابه بنص الرسول وإجماع أمته، وبين السفر الذي ثبت أنه ليس مستحباً بنص الرسول وإجماع أمته‏.‏ وقاسوا هذا بهذا، والمجيب إنما ذكر القولين في النوع الثاني‏:‏ في الذي لا يسافر إلا لقصد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وذكر أن الذي يسافر إلي مسجد الرسول وزيارته الشرعية يتسحب السفر إليه بالنص والإجماع‏.‏ فحكوا عن المجيب أنه ينهي عن زيارة قبر الرسول والسفر إليه، ويحرم ذلك، ويحرم قصر الصلاة فيه، بحيث جعلوه ينهي عما يفعله الحجاج من السفر إلي مسجده، وأن من سافر إلي هناك لا يقصر الصلاة، وهذا كله افتراء وبهتان‏.‏

/وذلك أنه لا حجة لهم على السفر إلي سائر قبور الأنبياء إلا السفر إلي نبينا‏.‏ فلما كان السفر إلي ذلك المكان مشروعا في الجملة قاسوا عليه السفر إلي سائر القبور، فضلوا، وأضلوا، وخالفوا كتاب اللّه وسنة رسوله وإجماع المسلمين‏.‏ وضلوا من وجوه كثيرة‏.‏

منها‏:‏ أنه ليس في الأرض قبر نبي معلوم بالتواتر والإجماع إلا قبر نبينا، وما سواه ففيه نزاع‏.‏

ومنها‏:‏ أن الذين استحبوا السفر إلي زيارة قبر نبينا مرادهم السفر إلي مسجده، وهذا مشروع بالإجماع، ولو قصد المسافر إليه فهو إنما يصل إلي المسجد، والمسجد منتهي سفره، لا يصل إلي القبر، بخلاف غيره فإنه يصل إلي القبر؛ إلا أن يكون متوغلا في الجهل والضلال، فيظن أن مسجده إنما شرع السفر إليه لأجل القبر، وأنه لذلك كانت الصلاة فيه بألف صلاة، وأنه لولا القبر لم يكن له فضيلة على غيره، أو يظن أن المسجد بني أو جعل تبعا للقبر، كما تبني المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، ويظن أن الصلاة في المسجد تبع، والمقصود هو القبر، كما يظن المسافرون إلي قبور الأنبياء والصالحين غير قبر نبينا، وكما أن الذي يذهب إلي الجمعة يصلى إذا دخل تحية المسجد ركعتين، ولكن هو إنما جاء لأجل الجمعة، لا لأجل ركعتي التحية‏.‏ فمن ظن هذا في مسجد نبينا صلى الله عليه وسلم فهو من أضل الناس وأجهلهم بدين / الإسلام، وأجهلهم بأحوال الرسول وأصحابه، وسيرته، وأقواله وأفعاله، وهذا محتاج إلي أن يتعلم ما جهله من دين الإسلام حتى يدخل في الإسلام، ولا يأخذ بعض الإسلام ويترك بعضه؛ فإن مسجده أسس على التقوي في السنة الأولي من الهجرة، وهو أفضل مسجد على وجه الأرض إلا المسجد الحرام‏.‏ وقيل‏:‏ هو أفضل مطلقا‏.‏

فهـل يقـول عاقـل‏:‏ إن مساجـد المسلمـين ـ مساجـد الجـوامـع التي يصلى فيها الجمعـة وغيرها ـ فضيلتها واستحباب قصدها للصلاة فيها لأجل قبر عندها‏.‏ فإذا لم يجز أن يقال هذا في مثل هذه المساجد فكيف يقال فيما هو خير منها كلها وأفضل‏.‏

والمسجد الحرام أفضل المساجد مطلقاً عند الجمهور، والصلاة فيه بمائة ألف صلاة، كما في المسند والسنن‏.‏ فهل يقول عاقل‏:‏ إن فضيلته لقبر هناك‏.‏

والمسجد الأقصي أفضل المساجد بعد المسجد النبوي، وببيت المقدس من قبور الأنبياء ما لا يحصيه إلا اللّه‏.‏ فهل يقول عاقل‏:‏ إن فضيلته لأجل القبور ‏؟‏‏!‏ نعم، هذا اعتقاد النصاري، يعتقدون أن فضيلة بيت المقدس لأجل ‏[‏الكنيسة‏]‏ التي يقال‏:‏ إنها بنيت على قبر المصلوب، ويفضلونها على بيت المقدس‏.‏ وهؤلاء من أضل الناس وأجهلهم،/وهذا يضاهي ما كان المشركون عليه في المسجد الحرام لما كانت فيه الأوثان، وكانوا يقصدونه لأجل تلك الأوثان التي فيه، لم يكونوا يصلون فيه، بل كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 35‏]‏، لكن كانوا يعظمون نفس البيت، ويطوفون به، كما كانوا يحجون كل عام، مع ما كانوا غيروه من شريعة إبراهيم، حتى بعث اللّه محمداً بالهدي ودين الحق، وأمره باتباع ملة إبراهيم، فأظهرها، ودعا إليها، وأقام الحج على ما شرعه اللّه لإبراهيم، ونفي الشرك عن البيت، وأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ على أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَإليوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَي الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَي أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 17، 18‏]‏‏.‏

فبين أن عمار المساجد هم الذين لا يخشون إلا اللّه، ومن لم يخش إلا اللّه فلا يرجو ويتوكل إلا عليه، فإن الرجاء والخوف متلازمان‏.‏

والذين يحجون إلي القبور يدعون أهلها، ويتضرعون لهم، ويعبدونهم ، ويخشون غير اللّه، ويرجون غير اللّه، كالمشركين الذين يخشون آلهتهم ويرجونها؛ ولهذا لما قالوا لهود ـ عليه السلام ‏:‏‏{‏إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ على اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 54‏:‏ 56‏]‏، ولما حاجوا إبراهيم ـ عليه السلام ـ قال لهم‏:‏ ‏{‏وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ علىكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 80‏:‏ 82‏]‏، ولما خوفوا محمدا ـ عليه الصلاة والسلام ـ بمن دون اللّه قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إليسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ إليسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عليه يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 36‏:‏ 38‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّي الصَّالِحِينَ ّ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 195، 196‏]‏‏.‏